نُشر في

فضل المعوذتين: سورتا الفلق والناس حِرز المسلم اليومي

المؤلفون
  • Ahmad
    الاسم
    Ahmad
    الدور
    Senior Marketing Manager, Islamic education • DeenUp

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيْمِ

In the name of God, the Most Gracious, the Most Merciful.

فضل المعوذتين سورتا الفلق والناس حرز المسلم من الشر والسحر والحسد

كم مرة أنهيت يومك وأنت تشعر بثقل لا تعرف مصدره، أو قلق يسكن صدرك دون سبب واضح؟ العالَم من حولنا مليء بشرور مرئية وأخرى خفية، وقد علّمنا النبي ﷺ أعظم دعاء للاستجارة من كل ذلك: سورتا الفلق والناس — المعوذتان. قال عنهما ﷺ لصاحبه عقبة بن عامر رضي الله عنه: «مَا تَعَوَّذَ الْمُتَعَوِّذُونَ بِمِثْلِهِمَا». رواه أبو داود (٥٤٣٤) وصححه الألباني.

سورتان قصيرتان في آخر المصحف، لكنهما معًا دِرعٌ رباني يحمي القلب والجسد والروح. في هذا المقال، تعرّف على فضلهما الثابت في السنة الصحيحة، وأسرار كل منهما، وكيف تجعلهما حصنك اليومي دون انقطاع.

ما هي المعوذتان وأين نزلتا؟

المعوذتان هما السورتان الأخيرتان في القرآن الكريم: سورة الفلق (١١٣) وسورة الناس (١١٤). سُمّيتا "المعوذتين" لأن كلتيهما تبدآن بـ"قُلْ أَعُوذُ" — أي: ألتجئ وأعتصم بالله من الشرور، من "عاذ يعوذ" إذا التجأ واستجار.

نزلتا في المدينة المنورة وفق الراجح عند أكثر المفسرين، وكان من أسباب نزولهما ما أصاب النبي ﷺ من سحر لبيد بن الأعصم، فأنزل الله هاتين السورتين ليقرأهما النبي ﷺ فيشفى بإذن الله عز وجل. وقد جمع الله في سورة الفلق الاستعاذة من الشرور الخارجية، وفي سورة الناس الاستعاذة من الشرور الداخلية الخفية، فكانتا معًا حمايةً كاملة من الشر بكل وجوهه.

وقد أُلحقتا بسورة الإخلاص التي تُثبّت التوحيد؛ إذ يُستحب قراءة الثلاث معًا في أذكار الصباح والمساء وأذكار النوم. لمن أراد التعمّق في معاني سورة الإخلاص راجع: تفسير سورة الإخلاص ومعناها.

فضل المعوذتين في السنة النبوية

فضل هاتين السورتين وارد في أحاديث متعددة صحيحة، وأبرزها ثلاثة:

أولًا: أفضل ما استُعيذ به على وجه الإطلاق

عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «يَا عُقْبَةُ، أَلَا أُعَلِّمُكَ سُوَرًا مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الإِنْجِيلِ وَلَا فِي الْقُرْآنِ مِثْلُهُنَّ؟ هُنَّ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ». رواه النسائي (٩٤٦) وصحح إسناده الألباني. وفي رواية أخرى قال ﷺ: «مَا تَعَوَّذَ الْمُتَعَوِّذُونَ بِمِثْلِهِمَا» — شهادةٌ نبوية أنه لا شيء يُضاهيهما في الاستعاذة.

ثانيًا: الأمر بقراءتهما بعد كل صلاة

عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أيضًا قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ المعوذتين في دُبُر كل صلاة. رواه أبو داود (١٥٢٣) وصححه الألباني. هذا أمر نبوي صريح يجعل المعوذتين سنةً راتبةً بعد الصلوات الخمس.

ثالثًا: وِرد النوم اليومي الثابت في الصحيح

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، وَقَرَأَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ». رواه البخاري (٥٠١٧). فعلٌ يومي ثابت كل ليلة — يكشف أن النبي ﷺ لم يترك هذا الوِرد ليلة واحدة.

أسرار المعوذتين: ماذا تعني كل منهما؟

جمالُ المعوذتين أنهما تُغطّيان جبهتَي الشر معًا — الخارجي والداخلي — فلا يبقى ثغرة غير محمية.

سورة الفلق: درع الشرور الخارجية

قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ۝ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ۝ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ۝ وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ۝ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ١-٥].

"الفلق" هو فَلق الصبح — وفيه إشارة إلى رب النور والحياة الذي يُبدّد الظلام. والسورة تتعوذ من أربعة شرور متصاعدة: شر المخلوقات كلها (العموم)، ثم شر الليل المُقبل (الغاسق إذا وقب)، ثم شر السحر (النفاثات في العقد)، وتختم بشر الحسد — وقد جُعل الحسد آخرها لخطورته؛ إذ الحسد شعور داخلي يتحوّل إلى أذى خارجي.

سورة الناس: درع الشرور الداخلية

قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ۝ مَلِكِ النَّاسِ ۝ إِلَٰهِ النَّاسِ ۝ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ۝ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ۝ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ١-٦].

ما يُميّز هذه السورة أنها توصف الله تعالى بثلاثة أوصاف عظيمة: ربّ الناس (الخالق المُدبّر)، ملكُ الناس (صاحب السلطان المطلق)، إلهُ الناس (المعبود الواحد الحق) — ثلاثة أوصاف تُربط العبد بالله من كل جانب قبل أن يستعيذ. ثم تتعوذ من الوسواس الخنّاس، الذي يُوسوس في الصدور ويتراجع حين يُذكر الله، من الجن أو الإنس.

كيف تجعل المعوذتين وردك اليومي؟

الخبر الجيد أن الوِرد النبوي للمعوذتين موزّعٌ على طوال اليوم بحيث لا يمر وقت إلا وأنت في حِصن الله:

صباحًا ومساءً (ثلاث مرات)

قال النبي ﷺ لعقبة بن عامر رضي الله عنه: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ». رواه أبو داود (٥٠٨٢) وحسّنه الألباني. وعد نبوي بالكفاية من كل شر لمن التزم هذا الوِرد البسيط.

بعد كل صلاة مكتوبة (مرة واحدة)

اجعلها جزءًا ثابتًا من أذكارك عقب الصلاة. سنةٌ سهلة لا تأخذ أكثر من ثلاثين ثانية، وأجرها كبير.

عند النوم (مع الإخلاص والنفث والمسح)

اجمع كفيك ثلاثًا، وانفث فيهما، واقرأ الإخلاص والمعوذتين، ثم امسح جسدك بهما بادئًا بالرأس والوجه. للاطلاع على نص أذكار النوم كاملة، راجع: دعاء قبل النوم وأذكار النوم.

لا تفوّت أذكارك اليومية

يذكّرك DeenUp بالمعوذتين وأذكار الصباح والمساء والنوم كل يوم — لتبقى في حِصن الله طوال اليوم دون أن يفوتك شيء.

Download DeenUp on the App Store

المعوذتان في الرقية الشرعية

المعوذتان ركيزةٌ أساسية في الرقية الشرعية — العلاج القرآني الثابت بالسنة. كان النبي ﷺ يرقي بهما نفسه حين يمرض، وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها تقرأهما عليه حين اشتد مرضه ثم تمسح بيده ﷺ على جسده.

قال ابن القيم الجوزية رحمه الله: "من أعظم ما يُعالج به السحر والعين قراءةُ المعوذتين؛ فإن فيهما الاستعاذة من كل شر بوجه عام، ثم من الشرور الخاصة كالسحر والحسد". وهذا يجعلهما أداةً للوقاية والعلاج في آنٍ واحد.

ويمكن قراءتهما مع تحصين النفس بالآيات والأدعية كبرنامج يومي متكامل، وكذلك أذكار الحفظ «بسم الله أرقيك» لمن يريد حصنًا أشمل. وللاستزادة في الرقية الشرعية الكاملة راجع: الرقية الشرعية الكاملة.

وللرجوع إلى النصوص الأصلية، يمكن مطالعة حديث عائشة في صحيح البخاري ٥٠١٧ على موقع سنة كوم والاطلاع على تفسير سورة الفلق على موقع quran.com.

فضائل عملية: لماذا المعوذتان مختلفتان؟

ثمة خصائص تجعل المعوذتين أعمق من مجرد سورتين قصيرتين:

  • شمولية الحماية: سورة الفلق تحمي من الشر الخارجي، والناس من الشر الداخلي — معًا لا تُبقيان نوعًا من الشر إلا استُعيذ منه.
  • المداومة تُضاعف الأثر: النبي ﷺ كرّر قراءتهما ثلاث مرات ليلًا — والتكرار يُرسّخ الحضور الذهني ويُعمّق أثر الاستعاذة في القلب.
  • سهولة الحفظ: لا يزيد عدد آياتهما معًا على إحدى عشرة آية، يحفظها الطفل الصغير، ويواظب عليها الشيخ الكبير.
  • حضورٌ طوال اليوم: ثلاث مرات صباحًا، ومرة بعد كل صلاة، وثلاث مرات ليلًا — تجعل المسلم في حِصن متجدّد من الفجر حتى النوم.

أسئلة شائعة

ما المعوذتان وسبب تسميتهما بهذا الاسم؟

المعوذتان هما سورة الفلق وسورة الناس. سُمّيتا بذلك لأن كلتيهما تبدأن بـ"قل أعوذ" — أي ألتجئ وأعتصم بالله من الشر. وهما آخر سورتين في ترتيب المصحف العثماني.

ما الفرق بين ما تتعوذ منه كل منهما؟

الفلق: الشرور الخارجية (المخلوقات، الظلام، السحر، الحسد). الناس: الشر الداخلي الخفي (الوسواس في الصدور من الجن والناس).

ما أفضل وقت لقراءة المعوذتين؟

ثلاث مرات صباحًا ومساءً، ومرة بعد كل صلاة، وثلاث مرات ليلًا مع النفث والمسح. هذا هو الوِرد النبوي الكامل.

هل المعوذتان كافيتان للرقية؟

نعم، من أعظم ما يُرقى به، ويُضاف إليهما آية الكرسي وسورة الإخلاص. وكان النبي ﷺ يرقي بهما نفسه.

هل تكفيان عن آية الكرسي قبل النوم؟

لا. كل سنة مستقلة، والأفضل الجمع بين الثلاث: الإخلاص والمعوذتين وآية الكرسي قبل النوم.

هل يُقرأ بهما في الصلاة المفروضة؟

يجوز قراءة أي منهما بعد الفاتحة في الصلاة الفريضة والنافلة، وهو فعل ثابت عن النبي ﷺ والسلف.

خاتمة

المعوذتان ليستا مجرد سورتين في آخر المصحف — بل هما دِرعٌ رباني شامل علّمنا إياه النبي ﷺ بالقول والفعل. من أحسن تعاهدهما صباحًا ومساءً وبعد الصلاة وقبل النوم، عاش في كنف حماية الله عز وجل من الشرور الخارجية والداخلية جميعها. ابدأ اليوم: قلهما ثلاثًا الآن، وسيتبع ذلك شعور بالطمأنينة الحقيقية بإذن الله.

حصّن نفسك يوميًا مع DeenUp

أذكار الصباح والمساء والنوم — وفيها المعوذتان والإخلاص وآية الكرسي — متاحة في DeenUp مع تذكيرات تُعينك على المداومة كل يوم.

Download DeenUp on the App Store

Frequently Asked Questions

ما المعوذتان وسبب تسميتهما بهذا الاسم؟

المعوذتان هما سورة الفلق وسورة الناس، آخر سورتين في المصحف. سُمّيتا بذلك لأن كلتيهما تبدأن بـ«قل أعوذ» أي ألتجئ وأعتصم بالله من الشرور. وهما من آخر ما نزل على النبي ﷺ.

ما الفرق بين سورة الفلق وسورة الناس في ما تتعوذ منه؟

سورة الفلق تتعوذ من الشرور الخارجية: شر المخلوقات عمومًا، وشر الظلام، وشر السحر، وشر الحسد. أما سورة الناس فتتعوذ من الشر الداخلي الخفي: وسواس الشيطان في صدر الإنسان سواء أكان من الجن أم من الناس.

ما أفضل وقت لقراءة المعوذتين؟

يُستحب قراءتهما ثلاثًا صباحًا وثلاثًا مساءً ضمن أذكار الصباح والمساء، وكذلك مرة واحدة بعد كل صلاة مكتوبة، وقبل النوم مع النفث في الكفين ومسح الجسد كما علّمنا النبي ﷺ.

هل المعوذتان كافيتان للرقية على النفس؟

المعوذتان من أعظم ما يُقرأ في الرقية الشرعية، وكان النبي ﷺ يرقي بهما نفسه في مرضه. ويُستحب قراءتهما مع آية الكرسي وسورة الإخلاص لاكتمال التحصين.

هل تكفيان عن آية الكرسي في أذكار النوم؟

لا تُغنيان عن آية الكرسي؛ كلٌّ منهما سنة مستقلة بفضلها. والأفضل الجمع بين آية الكرسي والإخلاص والمعوذتين قبل النوم جميعًا كما ثبت في السنة الصحيحة.

هل يُقرأ بالمعوذتين في الصلاة المفروضة؟

يجوز قراءة أي منهما بعد الفاتحة في الصلاة الفريضة والنافلة. ولا حرج في قراءة كلتيهما معًا في ركعتين متتاليتين من النوافل، وهو فعل ثابت عن بعض السلف.