- نُشر في
قصة بناء الكعبة المشرّفة على يد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام
- المؤلفون

- الاسم
- Ahmad
- الدور
- Senior Marketing Manager, Islamic education • DeenUp
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيْمِ
In the name of God, the Most Gracious, the Most Merciful.

يُقبل الحجّاج من كل بقاع الأرض نحو نقطة واحدة، يطوفون بها ويصلّون إليها ويحنّون إلى رؤيتها، وهي تلك البنية المكسوّة بالسواد في قلب مسجد مكة المكرمة: الكعبة المشرّفة. لكن قليلًا منا يقف ليسأل: كيف بُنيت؟ من الذي حمل حجارتها؟ وما القصة التي يعرفها الله عز وجل ويُخبرنا بها في كتابه العزيز؟ هذا ما تجيب عنه هذه السطور.
أول بيت وُضع للناس في الأرض
جعل الله سبحانه وتعالى الكعبة المشرّفة أول بيت أُقيم للناس في الأرض كي يعبدوا الله فيه، وهذه منزلة لا تشاركها فيها بقعة أخرى. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 96].
«بَكَّة» اسمٌ آخر لمكة المكرمة أو للبقعة التي فيها الكعبة تحديدًا. والمعنى أن هذا البيت ليس مجرد مبنًى بناه إنسان، بل هو بيتٌ اختار الله عز وجل موضعه، وبارك فيه، وجعله هدًى للعالمين. من يدخله كان آمنًا، وإليه تتجه وجوه المؤمنين في صلواتهم أينما كانوا. وقد ذكر بعض المفسّرين أن آدم عليه السلام هو أول من وضع قواعد هذا البيت، ثم جاء الطوفان فمحاه، حتى أمر الله إبراهيم عليه السلام بإعادة بنائه.
أمر الله لإبراهيم: ابنِ بيتي
كانت البداية أمرًا إلهيًا صريحًا. فبعد أن أسكن الله إبراهيمَ عليه السلام زوجتَه هاجر وطفلَه إسماعيل عليه السلام في ذلك الوادي القفر الذي لا ماء فيه ولا زرع — وهو ما صار لاحقًا مكة المكرمة — وبعد أن أجرى الله ماء زمزم من تحت أقدام هاجر، وجاء الناس وعمر المكان، جاء الأمر الإلهي لإبراهيم عليه السلام:
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26].
أراه الله عز وجل مكان البيت، ثم أعطاه توجيهين جوهريين قبل أن يبدأ البناء: أن يُنزِّه توحيد الله في هذا البيت من كل شرك، وأن يُطهِّره ليكون صالحًا للطائفين والمصلّين والساجدين. كان البيت قبل بنائه حريمًا روحيًا قبل أن يكون حريمًا معماريًا.
وقد جاء المؤمنون لاحقًا يُعبِّرون عن هذه العلاقة الخاصة بين الله وبيته، فالله نفسه نسبه إليه: «طهِّر بيتي»، وهذا وحده يكفي لإدراك مكانة الكعبة.
إبراهيم وإسماعيل يرفعان القواعد
جاء نبيُّ الله إبراهيم عليه السلام، فانضمّ إليه ولده إسماعيل عليه السلام يُعينه، وبدآ يرفعان القواعد حجرًا حجرًا من جبال مكة المحيطة. وكانت مهمّة إسماعيل عليه السلام نقل الحجارة بينما إبراهيم عليه السلام يبني، وكلّما ارتفع البناء وقف إبراهيم عليه السلام على صخرة — عُرفت لاحقًا بمقام إبراهيم — ليصل إلى الطبقات الأعلى.
وكانا يدعوان الله عز وجل طوال البناء بدعاءٍ خالدٍ رواه القرآن الكريم:
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127].
هذا الدعاء الجميل يُعلّمنا درسًا عميقًا: حتى الأنبياء — وهم يؤدّون أجلَّ الأعمال بأمر مباشر من الله — يظلون يطلبون القبول ويخافون أن يُردَّ عليهم عملهم. فكيف بنا نحن؟ إن تعوَّدنا أن نُرافق أعمالنا بطلب القبول فذلك من أعظم علامات الإيمان الصادق.
الحجر الأسود: جوهرةٌ من الجنة
لمّا ارتفع البناء وبلغ مكان الحجر الأسود، احتاج إبراهيم عليه السلام إلى حجرٍ مميّز يجعله علامةً للطواف يُبدأ به. وتُشير الروايات إلى أن جبريل عليه السلام جاء بالحجر الأسود — أو أن إسماعيل عليه السلام جاء به من جبل أبي قُبيس حيث كان محفوظًا — فوضعه إبراهيم عليه السلام في ركنه المعروف بالركن الجنوبي الشرقي.
وقد أخبر النبي ﷺ عن شأن هذا الحجر فقال: «نَزَلَ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ». رواه الترمذي (٨٧٧) وصحّحه.
هذا الحجر الذي يُقبِّله الحجاج ويستلمونه ليس مجرد حجر؛ هو شاهدٌ على بناء إبراهيم عليه السلام، ويُقال إنه سيشهد لمن استلمه بحق يوم القيامة. وكان النبي ﷺ يستلمه في طوافه ويُقبِّله اقتداءً بسنّته الشريفة.
نداء الحج: صوتٌ بلغ الأرواح قبل الأجساد
لمّا أتمّ إبراهيم عليه السلام وإسماعيل عليه السلام بناء الكعبة، أمر الله إبراهيمَ عليه السلام أن يُنادي الناس بالحج، فنادى بأعلى صوته. قال الله تعالى:
قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27].
ذكر المفسّرون أن إبراهيم عليه السلام قال: «يا رب، وكيف أُبلِّغ من لا يسمع؟» فقيل له: «نادِ وعلينا البلاغ». فصعد الجبل ونادى بأعلى صوته: «يا أيها الناس، كُتب عليكم الحج إلى البيت العتيق، فحجّوا». وقيل إن الله عز وجل أسمع صوته كل روحٍ ستحجّ إلى يوم القيامة. فمن لبّى كانت تلبيته استجابةً لنداء إبراهيم عليه السلام منذ ذلك اليوم.
ولهذا حين تقول: «لبّيك اللهم لبّيك» — فأنت تستجيب لنداءٍ صُدح منذ آلاف السنين من قِبَل خليل الله عليه السلام. ما أعظمها من لحظة!
Allah commands you to seek knowledge
“My Lord, increase me in knowledge” (Surah Ta-Ha 20:114). DeenUp turns that command into a daily habit — a swipeable feed of bite-sized, scholar-approved Islamic lessons, quick quizzes, and daily streaks.
Download DeenUp on the App Store
الكعبة عبر العصور: من إبراهيم إلى اليوم
الكعبة التي نراها اليوم ليست بالضرورة على النحو ذاته الذي بناها إبراهيم عليه السلام؛ فقد أُعيد بناؤها أو ترميمها مرات عدة عبر التاريخ. من أبرز ما يُذكر:
بناء قريش قبيل الإسلام: لمّا جاء سيلٌ عظيم وأضرّ بجدران الكعبة، قرّر زعماء قريش إعادة بنائها. غير أن نفقتهم قصرت عن إتمامها على أساس إبراهيم عليه السلام، فأخرجوا جزءًا منها وهو ما يُعرف بالحِجر أو الحطيم. وعند وضع الحجر الأسود في مكانه نشب خلافٌ بين القبائل، فحُكِّم النبي ﷺ وهو في الثلاثين من عمره قبل البعثة، فوضع الحجر في ثوب وأمسك بكل زعيم بطرف الثوب ثم وضعه بيده الشريفة في مكانه.
حديث النبي ﷺ لعائشة رضي الله عنها: قال النبي ﷺ: «يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ، لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ وَأَعَدْتُ بِنَاءَهَا عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ». رواه مسلم (١٣٣٣). ويُفهم من هذا أن الكعبة في عهده ﷺ لم تكن على الوضع الذي رسمه إبراهيم عليه السلام تمامًا بسبب التعديل الذي أجرته قريش.
دروسٌ يعيشها المسلم يوميًا
قصة بناء الكعبة ليست مجرد تاريخ جميل؛ فيها دروس تمسّ يوم المسلم وإيمانه:
أولًا: أقرن عملك بطلب القبول. كان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يبنيان بيت الله ويدعوان: «ربنا تقبّل منا». فكلّما أدّيت صلاةً أو قرأت قرآنًا أو قدّمت خيرًا، اختم بهذا الدعاء؛ فالله يُريد منك أن تطلب منه القبول.
ثانيًا: معرفة أصل الكعبة تُعمِّق محبّتها. الكعبة التي نستقبلها في صلاتنا خمس مرات في اليوم هي ذاتها التي بناها إبراهيم عليه السلام ووضع إسماعيل عليه السلام حجارتها. هذا الوعي يُحوّل كل ركعة من عملٍ روتيني إلى انتماء حضاريّ وروحيّ عميق.
ثالثًا: الحج شعيرةٌ لا تحمل معنى إلا بفهم أصلها. حين تقول «لبّيك اللهم لبّيك» فأنت تستجيب لنداء خليل الله، وحين تطوف فأنت تتتّبع خطى الأنبياء عليهم السلام. واجعل قراءة أركان الإسلام الخمسة منطلقًا لاستيعاب الحج في سياقه العقديّ الكامل.
رابعًا: إبراهيم عليه السلام أبو التوحيد، والكعبة منارته. الله عز وجل يقول في كتابه: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130]. ولا تكتمل صورة ملّة إبراهيم عليه السلام دون فهم معنى التوحيد وأقسامه الذي دعا إليه من بنى الكعبة.
ولمن أراد قراءة قصص مرتبطة بتاريخ الكعبة ومكة المكرمة، فإن قصة أصحاب الفيل تكمل هذه الصورة بحماية الله للبيت الحرام عام ميلاد النبي ﷺ.
للاطّلاع على آيات بناء الكعبة في سياقها القرآني الكامل، يمكنك قراءة الآية السابعة والعشرين من سورة البقرة على موقع quran.com، والاستزادة بقراءة الموسوعة الحديثية على sunnah.com لحديث ابن عباس رضي الله عنهما الطويل عن قصة هاجر وإبراهيم في مكة.
خاتمة: الكعبة رمزٌ لتوحيد الله في الأرض
الكعبة المشرّفة ليست حجارةً وطينًا؛ هي رمزٌ للإجابة: إجابة إبراهيم لأمر ربّه، وإجابة إسماعيل لدعوة أبيه، وإجابة البشرية لنداء الحج. كل شيء في قصتها يقول: «لبّيك».
وفي كل مرة تستقبل الكعبة في صلاتك، تذكّر أنك تتوجّه إلى البيت الذي بناه الخليلان عليهما السلام بأيديهما ودعوا عنده بقلوبٍ منكسرة: «ربنا تقبّل منا». فردّد هذا الدعاء معهما ودع قلبك يعمر بحبّ هذا البيت وربِّه.
Allah commands you to seek knowledge
“My Lord, increase me in knowledge” (Surah Ta-Ha 20:114). DeenUp turns that command into a daily habit — a swipeable feed of bite-sized, scholar-approved Islamic lessons, quick quizzes, and daily streaks.
Download DeenUp on the App Store
Frequently Asked Questions
من بنى الكعبة المشرّفة أولًا؟
بنى الكعبة نبيُّ الله إبراهيم عليه السلام وولده إسماعيل عليه السلام بأمر من الله عز وجل، كما أخبر القرآن الكريم في سورة البقرة. وقيل إن آدم عليه السلام رفع قواعدها أول مرة ثم أُعيد بناؤها بعد الطوفان على يد إبراهيم.
ما هو الحجر الأسود وما أصله؟
الحجر الأسود حجرٌ كريم يقع في الركن الجنوبي الشرقي من الكعبة. قال النبي ﷺ إنه نزل من الجنة وكان أبيض من اللبن فسوّدته خطايا بني آدم. والاستلامُه والتقبيلُ أثناء الطواف سنةٌ نبوية.
ما دعاء إبراهيم عليه السلام حين بنى الكعبة؟
كان إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يدعوان أثناء البناء بقولهما: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127]. وهو دعاءٌ يُعلّمنا أن نُرافق أعمالنا بالتضرّع وطلب القبول.
ما الحِجر أو الحطيم وهل هو جزء من الكعبة؟
الحِجر (الحطيم) هو القسم المُقوَّس المحاط بجدار منخفض شمال غرب الكعبة. قال النبي ﷺ لعائشة رضي الله عنها إنه من الكعبة، لكن قريشًا أخرجته حين أعادت البناء بسبب شُحِّ النفقة. ومن دخل الحِجر فكأنما دخل الكعبة.
كم مرة أُعيد بناء الكعبة في التاريخ؟
أُعيد بناء الكعبة أو ترميمها أكثر من مرة عبر التاريخ؛ أبرزها إعادة بنائها على يد قريش قبيل الإسلام، ثم بناء عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما لها على أساس إبراهيم، ثم إعادة بنائها على يد الحجاج بن يوسف.
كيف دعا إبراهيم الناس إلى الحج؟
أمر الله إبراهيم عليه السلام أن يُؤذِّن في الناس بالحج، فنادى من مكانه وقيل إن صوته بلغ كل روح ستحجّ إلى يوم القيامة. فكانت هذه النداء أصل شعيرة الحج التي تجمع المسلمين من كل فجٍّ عميق.