- نُشر في
دعاء الريح والعواصف: الأذكار النبوية الثابتة عند هبوب الريح
- المؤلفون

- الاسم
- Ahmad
- الدور
- Senior Marketing Manager, Islamic education • DeenUp
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيْمِ
In the name of God, the Most Gracious, the Most Merciful.

حين تهبّ الريح: لحظة بين الخوف والرجاء
حين تشتد الريح فجأة، أو تقترب العاصفة، يتحرك في النفس شيء غريزي — خوف أو قلق أو توجّس مما قد تحمله. لكن المسلم يرى في هذه اللحظة بالذات ما لا يراه غيره: يرى أمر الله عز وجل ينفذ في الكون، ويتذكر أن الريح أداة بيد خالقها — تأتي بالرحمة حين يشاء، وبالعذاب حين يشاء.
وقد علّمنا النبي ﷺ كيف نستقبل هذه اللحظة: لا بالسب ولا باللعن ولا بالتعجب فحسب، بل بدعاء جامع يُعلَّق فيه القلب بالله قبل أي شيء آخر. هذا الدعاء ليس طقسًا شعبيًا موروثًا، بل هو سنة نبوية ثابتة روتها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: 57]. الريح إذن بشير رحمة قبل أن تكون ظاهرة مناخية، وهذا المنظور القرآني يُغيّر علاقتك بها كليًّا.
دعاء الريح: النص الثابت من السنة النبوية
عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﷺ كان إذا عصفت الريح قال:
«اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ».
رواه مسلم (٨٩٩).
شرح الدعاء
في هذا الدعاء الجامع ثلاثة محاور متكررة: الريح نفسها، وما بداخلها من هواء وما تحمله، وما أُرسلت به من غرض وحكمة. وكل محور يُسأل خيره ويُستعاذ من شره. هذا الاستيفاء الثلاثي يُعلّمنا أن الريح ليست مجرد هواء بل رسالة ربانية متعددة الأبعاد.
الصيغة الأخرى من السنة
ثمة صيغة أخرى مأثورة في السنة من حديث أُبَيّ بن كعب رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ». صحّحه الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة.
والفارق بين الصيغتين دقيق: الأولى تقول «أُرسلت به» أي الغرض الذي بُعثت من أجله، والثانية تقول «أُمرت به» أي الأمر الإلهي الذي تمتثل له. كلتاهما مأثورة ويجوز قول أيٍّ منهما.
متى يُقال الدعاء؟
يُقال هذا الدعاء فور أن تلاحظ هبوب ريح شديدة أو مفاجئة. لا يُشترط أن تكون عاصفة هائلة؛ أي ريح ملحوظة القوة فرصة لهذا الذكر، ولا عدد لتكراره.
لماذا كان النبي ﷺ يتغيّر وجهه عند هبوب الريح؟
روت عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ كان إذا كان يوم الريح والغيم عُرف ذلك في وجهه، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سُرَّ به وذهب عنه ذلك. فسألته عائشة رضي الله عنها عن ذلك فقال: «يا عائشة، ما يُؤمِّنُني أن يكون فيه عذاب؟ قد عُذِّب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾».
وفي القرآن الكريم ذكر الله عز وجل هلاك قوم عاد بالريح، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: 6]. فالريح حين رأوها ظنّوها مطرًا فإذا هي عذاب. هذا ما كان النبي ﷺ يتذكّره عند هبوب الريح.
هذا الموقف النبوي يُعلّمنا شيئًا جوهريًا: الخشية في لحظات الطبيعة الكبرى علامة إيمان حيّ، لا تشاؤم ولا جبن. فالمؤمن يسأل الله في كل حال، سواء في الريح أو المطر أو السفر أو الفزع.
«لا تسبوا الريح»: حكم نبوي واضح
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلَا تَسُبُّوهَا، وَاسْأَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا». رواه أبو داود (٥٠٩٧) وصحّح الألباني رحمه الله.
وقوله ﷺ «من روح الله» أي من رحمته وتيسيره. فالريح خاضعة لأمر الله وحده؛ تُطيع أمره حين تأتي بالرحمة، وحين تأتي بالعذاب. وسبّها إيحاء بأنها عدوّة تتصرف بذاتها، أو شكوى مما أمر الله به، وكلا الأمرين منافٍ لأدب العبودية.
ويقع الناس اليوم كثيرًا في سب الريح عند البرد الشديد أو حين تُلحق الأذى بممتلكاتهم. تذكّر أن النبي ﷺ نهى عن ذلك صراحةً وعلّم بدلًا منه: الدعاء بطلب الخير والاستعاذة من الشر.
الريح في القرآن: رحمة وآية وتذكير
أشار القرآن الكريم إلى الريح في مواضع عدة تكشف وظيفتها الكونية المتعددة. فهي تحمل السحاب بأمر الله فتُنزل المطر، وتُلقّح النبات وتُحرّك الأمواج، وتخضع كلها لأمر ربها لا تعصيه. وقد سخّر الله الريح لسليمان عليه السلام آيةً وكرامةً له. وفي المقابل أرسلها عذابًا على الأمم الكافرة حين أعرضوا. هذا التنوع في أدوار الريح القرآنية يُعلّمنا أن وراء كل هبّة وعواصف قدرة الله ومشيئته، وهو ما يدفعنا إلى الدعاء بدل السب.
اجعل دعاء الريح عادةً راسخة في حياتك
الريح لا تُعلن عن نفسها مسبقًا، فمن لم يُعِدّ نفسه من قبل فاته وقت الدعاء بسرعة. إليك خطوات عملية لتثبيت هذه السنة:
أولًا: احفظ الدعاء بصيغته المشكولة نص الدعاء قصير يمكن حفظه بثلاث تكرارات. اجعله في هاتفك أو في ورقة صغيرة حتى تجده حين تحتاجه. الحفظ بالتشكيل يُثبّت الدعاء في الذاكرة أكثر.
ثانيًا: الربط بأول إحساس بالريح حين تسمع هوير الريح على النافذة أو تشعر بهبوبها على وجهك، دع أول استجابة أن تكون الدعاء لا الشكوى. هذا الربط الحسّي يصنع العادة دون جهد.
ثالثًا: إبدال السب بالدعاء إن خرج من لسانك كلام سلبي تجاه الريح، تذكّر النهي النبوي واستبدل ذلك فورًا بالدعاء. التوبة السريعة والاستبدال أفضل من الاستمرار في المعصية.
رابعًا: الإكثار من الدعاء أثناء الريح الريح لحظة مناسبة للتضرع العام لا لدعاء الريح فحسب. إن كنت تمر بضائقة أو تحمل حاجة، فاستغل هذا الوقت للدعاء الشخصي أيضًا.
خامسًا: علّم الأطفال والمقربين هذا الدعاء سنة مهجورة يجهلها كثير من المسلمين. حين تقوله أمام أطفالك وتشرح لهم معناه، تُحيي سنة وتربي جيلًا يعرف كيف يتعامل مع الطبيعة بذكر الله.
Allah commands you to seek knowledge
“My Lord, increase me in knowledge” (Surah Ta-Ha 20:114). DeenUp turns that command into a daily habit — a swipeable feed of bite-sized, scholar-approved Islamic lessons, quick quizzes, and daily streaks.
Download DeenUp on the App Store
أدعية ذات صلة تُكمل دعاء الريح
دعاء الريح جزء من منظومة أذكار نبوية ربطت كل ظاهرة طبيعية بذكر الله عز وجل:
- دعاء المطر والرعد: حين ينزل المطر بعد الريح، فإن دعاء المطر والرعد والبرق يُكمل المنظومة ويُغطي كل أحوال الطقس.
- دعاء الفزع والخوف العام: إن أصابك فزع من حدث فجائي كعاصفة مباغتة، فإن أدعية الفزع والخوف تُثبّت قلبك في تلك اللحظات.
- دعاء الشكر على النعم: حين تمر الريح بسلام وتُدرك نعمة الله في حمايته، فإن دعاء الشكر على النعم تعبير حقيقي عن ذلك الإدراك.
- كفارة المجلس: إن تحدثت أثناء العاصفة ووقعت في سب أو شكوى، ففي دعاء كفارة المجلس توبة ومخرج.
يمكنك الاطلاع على الآيات الكريمة المتعلقة بالريح في سياقها القرآني عبر موقع القرآن الكريم، والتحقق من تفاصيل الأحاديث المذكورة ودرجاتها في موسوعة الدرر السنية.
أسئلة شائعة حول دعاء الريح
هل يجب أن أقول الدعاء بصوت عالٍ أم سرًّا؟ الدعاء يُقال بأي صوت، جهرًا أو سرًّا، والمهم أن يكون من القلب. ولا يُشترط استقبال القبلة وإن كان حسنًا.
هل يُقال الدعاء مرة واحدة أم أكثر؟ لا يُحدَّد عدد، والأصل أن يُقال كلما هبّت الريح الملحوظة، ويمكن التكرار ما دامت الريح مستمرة.
هل ثمة دعاء للعواصف الشديدة جدًا كالأعاصير؟ لم يَرِد دعاء مخصوص للأعاصير بالاسم، والدعاء العام عند الريح يشمل كل أنواعها. يُضاف إليه الاستغفار وكثرة الذكر والدعاء بالحفظ والسلامة.
هل النهي عن سب الريح يشمل الشكوى الطبيعية؟ الشكوى الطبيعية كقول «الجو بارد جدًا» أو «الريح شديدة اليوم» ليست سبًّا. المنهي عنه هو السب واللعن كقول «لعنت هذه الريح» أو توجيه الكلام السيئ للريح بنيّة ذمّها.
خاتمة
دعاء الريح ليس مجرد كلمات تقولها وأنت تُغلق النافذة؛ هو إقرار بأن هذا الكون لا يُدار إلا بيد الله، وأن أقوى ظاهرة طبيعية تراها لا تخرج عن إرادته سبحانه. حين تُداوم على هذا الدعاء في كل هبوب ريح، تجد نفسك تعيش بوعي روحي مختلف — لا تعيش مع الطبيعة فحسب، بل مع صاحب الطبيعة.
Allah commands you to seek knowledge
“My Lord, increase me in knowledge” (Surah Ta-Ha 20:114). DeenUp turns that command into a daily habit — a swipeable feed of bite-sized, scholar-approved Islamic lessons, quick quizzes, and daily streaks.
Download DeenUp on the App Store
Frequently Asked Questions
ما الدعاء الثابت عند هبوب الريح الشديدة؟
الثابت في صحيح مسلم (٨٩٩) عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان إذا عصفت الريح قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ».
هل يجوز سب الريح عند الأذى؟
لا يجوز سب الريح ولا لعنها؛ لأنها مسخَّرة بأمر الله عز وجل. والثابت في الحديث الصحيح النهي عن سبها، والأمر بسؤال الله خيرها والاستعاذة به من شرها. رواه أبو داود (٥٠٩٧) وصحح الألباني.
لماذا كان وجه النبي ﷺ يتغيّر عند هبوب الريح؟
روت عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان يتغيّر وجهه عند هبوب الريح خشيةً أن تكون عذابًا، إذ عُذّب قوم عاد بالريح. وكان يُسرّ حين ينزل المطر لأن المطر رحمة.
هل ثمة دعاء آخر مأثور عند رؤية الريح المكروهة؟
نعم، ثمة صيغة أخرى في السنة من حديث أُبَيّ بن كعب رضي الله عنه: «اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ...» صحّحه الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة.
ما معنى «الريح من روح الله» في الحديث؟
معنى «الريح من روح الله» أي من رحمته وتيسيره، فالريح خاضعة لأمر الله وحده: تأتي بالرحمة حين يشاء، وبالعذاب حين يشاء، فلا ينبغي لعنها أو سبها.
ماذا أفعل حين تشتد الريح وأنا خارج المنزل؟
اقرأ الدعاء المأثور فورًا: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به». ثم اطلب مكانًا آمنًا وأكثر من الدعاء والاستغفار.