- نُشر في
حكم الغيبة والنميمة في الإسلام: الأدلة والتوبة والكفارة
- المؤلفون

- الاسم
- Ahmad
- الدور
- Senior Marketing Manager, Islamic education • DeenUp
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيْمِ
In the name of God, the Most Gracious, the Most Merciful.

ربما وجدت نفسك يومًا في مجلس بدأ حديثه عاديًا، ثم انزلق شيئًا فشيئًا إلى ذكر أحوال الناس وعيوبهم. ربما شاركت وأنت لا تدري، أو صمتَّ وأنت تتساءل في نفسك: هل هذا حرام؟ هل ما قلناه يُعدّ غيبة أم مجرد نقاش؟ وإن كان حرامًا، فماذا أفعل الآن؟
هذا التساؤل صادق ومهم، ويدل على حياة في القلب. الغيبة والنميمة من أكثر الذنوب انتشارًا في المجالس اليومية لأنها لا تبدو بالخطورة التي هي عليها في الميزان الشرعي. والمسلم المتيقظ لا يكتفي بالتساؤل بل يبحث عن الحق ليعمل به.
الحكم الشرعي: الغيبة والنميمة كلتاهما حرام
الغيبةُ والنميمةُ محرمتان بالإجماع، وهما من الكبائر التي يجب على المسلم أن يجتنبهما ويحذر منهما. وقد أجمع العلماء على تحريمهما استنادًا إلى أدلة القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة التي لا مجال لتأويلها أو التخفيف من وطأتها.
تعريف الغيبة: ذكرُك أخاك المسلم بما يكره في غيابه، سواءً كان ذلك في جسمه أو خُلُقه أو دينه أو ماله أو أهله. وقد أوضح النبي ﷺ هذا التعريف بجلاء لا لبس فيه.
تعريف النميمة: نقل الكلام والأخبار بين الناس بقصد الإفساد بينهم وإيقاد نار العداوة والبغضاء.
الأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية
دليل تحريم الغيبة
حرَّم الله عز وجل الغيبة تحريمًا صريحًا ورسم لها صورةً مُقرِّفة تجعل النفس السوية تنفر منها نفورًا تلقائيًا. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].
وقد عرَّف النبيُّ ﷺ الغيبةَ تعريفًا دقيقًا يقطع كل التباس. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟». قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ. قال: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ». قِيلَ: أفرأيتَ إن كانَ في أخي ما أقولُ؟ قال: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ». رواه مسلم (٢٥٨٩).
دليل تحريم النميمة
وصف الله عز وجل الشخص النمام بصفات مذمومة مقترنة بالنهي الصريح: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١٠-١١]. ووصف الهمَّاز الطعَّان النمامَ بالمهانة والذل، وهذه الصورة تكشف كيف ينظر الله إلى هذا الفعل.
وفي الحديث ما هو أشد وطأةً على المؤمن. عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ». رواه مسلم (١٠٥). وقد فسَّر العلماء ذلك بأن من مات مُصرًّا على النميمة غير تائب منها فهو في خطر شديد من عقاب الله عز وجل، أو أنه لا يدخلها مع الفائزين الأولين. يمكنك التوسع في فهم هذا الحديث وسياقه من خلال شرح الحديث على موسوعة الدرر السنية.
حكمة التشريع: لماذا حرَّم الإسلام الغيبة والنميمة؟
تحريم الغيبة والنميمة ليس مجرد أمر تعبدي بلا علة ظاهرة، بل هو حمايةٌ ذكية لمنظومة العلاقات الإنسانية. إليك أبرز الحِكَم:
أولًا: صون العِرض والكرامة. العِرضُ في الإسلام حرمةٌ كحرمة الدم والمال. قال النبي ﷺ في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام». ومن اغتاب شخصًا فقد نهش شرفه وهو لا يستطيع دفاعًا.
ثانيًا: حفظ النسيج الاجتماعي. النميمة بالذات هي فأس تقطع جذور المحبة والثقة؛ تُفرِّق بين الأصدقاء، وتُوقد الحقد بين الأقارب، وتُشعل الفتنة في المجتمعات. ولا غرابة أن يجعل الله عقوبتها الحرمان من دخول الجنة مع الأولين.
ثالثًا: تزكية النفس من الأمراض الباطنة. الغيبة في أغلب الأحيان تنبع من حسدٍ مكنون أو كبرياء خفية أو عداوة قديمة. فمن أصلح قلبه تلاشت حاجته للغيبة أصلًا.
التطبيق العملي: كيف تتوقف وتتوب؟
لا ينفع العلم بالحكم ما لم يُترجَم إلى فعل يومي. إليك خطوات عملية لمن يريد إصلاح هذا الجانب من حياته:
إذا وقعتَ في الغيبة فما العمل؟
- تُب إلى الله فورًا بالندم الصادق والعزم على عدم العودة، واستغفر لمن اغتبته. عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «ما من عبد يذنب ذنبًا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر الله له».
- الاستحلال: اختلف العلماء؛ الجمهور يرى أن الاستغفار للمغتاب والثناء عليه في المجالس يكفي كفارةً عن غيبته. وأما إخباره بأنك اغتبته فلا يُستحب إذا كان علمه بالأمر يُفضي إلى إيذاءٍ أو إفساد أكبر.
- كفارة المجلس: احرص على ختم كل مجلس بـ«سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ». رواه أبو داود وصحَّحه الألباني.
كيف تُقلِّل الغيبة في حياتك اليومية؟
- حرِّك لسانك بالذكر حين يميل إلى الغيبة. القرآن والاستغفار يملآن الفراغ الذي تملأه الغيبة عادةً. اطلع على دعاء الاستغفار وأفضل صيغه وأوقاته ليكون زادك اليومي.
- غيِّر الموضوع برفق حين يبدأ المجلس بالانزلاق. قل: «دعنا نتحدث عن شيء آخر» أو انصرف بعذر مناسب.
- تذكَّر حسناتك كلما أردت أن تُوزِّعها على سامعيك مجانًا. الغيبة تنقل حسناتك إلى من اغتبته يوم القيامة.
- ربِّ قلبك بالإيمان فكلما رسخت أركان الإيمان في قلبك كلما نبا لسانك عن الغيبة. اقرأ مقالنا عن أركان الإيمان الستة: معناها وكيف تُحييها في حياتك اليومية.
- تعامَل مع الضغوط والهموم بذكاء فكثيرًا ما تأتي الغيبة تنفيسًا عن قلق مكتوم أو ضغط نفسي. اجعل المخرج دعاءً لا كلامًا في الناس، واستعن بـأدعية الهم والحزن والضيق الثابتة عن النبي ﷺ لتجد متنفسًا شريفًا يُفرِّج ما بك.
ابنِ عادة الذكر اليومي مع تطبيق DeenUp
تطبيق DeenUp يُعينك على تعويض وقت الغيبة بوقت الذكر؛ أذكار الصباح والمساء، ومتابعة أورادك اليومية، في مكان واحد بسيط.
Download DeenUp on the App Storeدعاء للتوبة من الغيبة والنميمة
اجعل هذا الدعاء المأثور ختامًا لأي مجلس يكثر فيه الكلام، وكفارةً عما يقع فيه من زلَّات اللسان:
«سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ».
قال النبي ﷺ عن هذا الذكر: «من قاله في مجلس كان كالطابع عليه» — أي يختمه فلا يخرج منه ذنب. رواه أبو داود وصحَّحه الألباني.
حالات تُباح فيها الغيبة
يُهمّ المسلمَ المعتدلَ أن يعرف أن الإسلام لم يُغلِق باب ذكر الغير في كل حال. فثمة ستة أغراض شرعية تُبيح الغيبة:
- التظلم: شكوى المظلوم عند من يقدر على إنصافه.
- الاستفتاء: ذكر حال الشخص لطلب الفتوى في شأنه.
- التحذير من الشر: تحذير المسلم من رفيق مفسد أو شريك محتال.
- الجرح والتعديل: في علم الرواية للحفاظ على صحة السنة.
- ذكر المجاهر بالفسق: من يرتكب المعاصي علنًا أمام الناس.
- التعريف: التعريف بمن لا يُعرف إلا بلقبه كـ«الأعمش» أو «ابن القيم» دون قصد ازدراء.
وللتوسع في هذه المسائل يُنصح بمراجعة حكم الغيبة وكفارتها على موقع إسلام سؤال وجواب.
أسئلة شائعة
ما الفرق بين الغيبة والبهتان؟ الغيبة ذكر ما هو حاصل فيه. البهتان ذكره بما ليس فيه وهو أشد إثمًا.
هل الغيبة من الكبائر أم الصغائر؟ هي من الكبائر عند جمهور العلماء لصراحة النهي ووجود الوعيد الشديد.
كيف أكفِّر عن الغيبة؟ التوبة الصادقة، والاستغفار للمغتاب، والثناء عليه في المجالس كفارةٌ عند الجمهور.
هل الغيبة مباحة في حالات معينة؟ نعم، في ست حالات شرعية موضحة أعلاه.
ما حكم الاستماع إلى الغيبة؟ محرمٌ دون الإنكار، والواجب الإنكار أو مغادرة المجلس.
ما الفرق بين الغيبة والنميمة؟ الغيبة ذكر العيب. النميمة نقله بقصد الإفساد بين اثنين. كل نميمة غيبة وليس العكس.
خاتمة
لسانُك أمانةٌ في عنقك. والمسلم الحق من سلم المسلمون من لسانه ويده. هذا ليس مستوىً بعيدًا لا يبلغه إلا الأولياء، بل هو هدفٌ يومي يبدأ بالوعي ثم بالمراقبة ثم بالممارسة. كلما ضبطتَ لسانك في غيبة عاد عليك بحسنات تُعظِّم ميزانك يوم لا ينفع مال ولا بنون. واستعن على ذلك بالذكر والمصاحبة الصالحة وإشغال النفس بما ينفع.
أعِن نفسك على ضبط اللسان مع DeenUp
تطبيق DeenUp يُرافقك في رحلة تزكية النفس؛ أذكار يومية، وتذكيرات بالأوراد، وقرآن تلاوةً وحفظًا — كل ما تحتاجه في مكان واحد.
Download DeenUp on the App Storeوالله أعلم.
Frequently Asked Questions
ما الفرق بين الغيبة والبهتان؟
الغيبة ذكر أخيك بما يكره وهو موجود فيه حقًا. أما البهتان فهو ذكره بأمر لا يكون فيه، وقد قال النبي ﷺ لما سُئل: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتَّه». البهتان إذن أشد إثمًا من الغيبة لأنه يجمع بين الغيبة والكذب.
هل الغيبة من الكبائر أم الصغائر؟
ذهب جمهور العلماء إلى أن الغيبة من الكبائر، لورود النهي الصريح والوعيد الشديد عليها في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وقد شبَّه الله تعالى المغتاب بمن يأكل لحم أخيه ميتًا.
كيف أكفِّر عن الغيبة؟
التوبة من الغيبة تكون بالندم والإقلاع والعزم على عدم العودة. واختلف العلماء في وجوب الاستحلال من الشخص المغتاب؛ فذهب جمهورهم إلى أن الاستغفار والترحم عليه كافٍ إذا كان الإخبار يُفضي إلى مفسدة أكبر.
هل الغيبة مقبولة في حالات معينة؟
نعم، رخَّص العلماء في الغيبة لغرض شرعي مشروع، وجمعها بعضهم في ست حالات: التظلم، والاستفتاء، والتحذير من الشر، والجرح والتعديل في الرواة، وذكر المجاهر بالفسق، والتعريف بمن لا يُعرف إلا بلقبه.
ما حكم الاستماع إلى الغيبة دون المشاركة؟
الاستماع إلى الغيبة ومجالستها دون الإنكار محرمٌ، لأن الساكت شريكٌ في الإثم. وعلى من سمع الغيبة أن يُنكر بلسانه أو يقوم عن المجلس قدر المستطاع.
ما الفرق بين الغيبة والنميمة؟
الغيبة ذكر المسلم بما يكره في غيابه، وقد تكون في مجلس دون نقل إلى أحد. أما النميمة فهي نقل الكلام من شخص إلى آخر بقصد الإفساد بينهما؛ فكل نميمة غيبة وليس كل غيبة نميمة.