- نُشر في
حكم قضاء الصيام وكفارته في الإسلام
- المؤلفون

- الاسم
- Ahmad
- الدور
- Senior Marketing Manager, Islamic education • DeenUp
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيْمِ
In the name of God, the Most Gracious, the Most Merciful.

حين ينتهي رمضان وفي ذمتك أيامٌ لم تصمها، قد تشعر بثقل هذا الدَّين المؤجَّل. ربما مرضت أسبوعًا، أو سافرت، أو كانت عليك أيام من الحيض أو النفاس، أو حصلت ظروف لم تكن بيدك. وكثيرًا ما يتساءل الناس: كيف أُؤدّي هذا الحق؟ ومتى يجب؟ وهل عليّ كفارة؟ وما الفرق بين القضاء والفدية؟
هذا المقال يجيب عن هذه التساؤلات بتأنٍّ ووضوح، حتى تُؤدّي ما عليك بقلب مرتاح وفق ما أرشدت إليه الأدلة الشرعية.
الحكم الإجمالي: القضاء واجب على من أفطر لعذر
الأصل أن من أفطر في رمضان لعذر شرعي فعليه قضاء ما فاته من أيام. وهذا مما أجمع عليه العلماء استنادًا إلى نصٍّ صريح في القرآن الكريم. قال الله تعالى:
﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184].
والأمر بـ«عِدَّة» أي بعدد مساوٍ من الأيام يُؤدَّى بعد رمضان هو أمر واضح ومباشر. وقد فصّل الفقهاء فيمن يجب عليه القضاء، ومن تجزئه الفدية، ومن تلزمه الكفارة، وفيما يلي بيان ذلك.
الأدلة من القرآن والسنة
الآية الكريمة في وجوب الصيام والقضاء
قبل بيان أحكام القضاء، يحسن التذكير بأصل فريضة الصوم، إذ قال الله عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
فالصوم فريضة مكتوبة على كل مسلم بالغ عاقل مستطيع. ومن عجز لعذر مؤقت فالقضاء هو حقّ هذا الواجب المؤجَّل. ويمكنك قراءة الآيات الكريمة المتعلقة بأحكام الصيام في سورة البقرة على موقع quran.com.
حديث عائشة في تأخير القضاء
دلّت عائشة رضي الله عنها بفعلها على أن القضاء لا يجب على الفور، فعنها قالت: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلَّا فِي شَعْبَانَ». رواه البخاري (1950) ومسلم (1146).
فكانت أم المؤمنين رضي الله عنها تُؤجّل القضاء حتى شعبان من كثرة انشغالها بخدمة النبي ﷺ، مما يدل على اتساع الوقت دون إثم، ما لم يدخل رمضان التالي.
حديث الكفارة عن الجماع في نهار رمضان
حدث أن جاء رجل إلى النبي ﷺ مذعورًا يستفتيه عن فعل فادح، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ. قَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا». رواه البخاري (1936) ومسلم (1111).
وفي نهاية الحديث جاء النبي ﷺ بعرق تمر فأعطاه إياه ليتصدق به، في دلالة على رحمة الإسلام والترتيب الحكيم في الكفارة. ويمكنك الاطلاع على نص الحديث الكامل وسياقه في صحيح البخاري على موقع sunnah.com.
القضاء والفدية والكفارة: فرّق بينها ولا تخلط
من يجب عليه القضاء فقط
يجب القضاء على من أفطر لأسباب مؤقتة قابلة للزوال:
- المريض الذي شفاه الله
- المسافر الذي عاد لوطنه
- المرأة في أيام الحيض أو النفاس (وهذا بإجماع العلماء)
- الحامل أو المرضع التي خافت على نفسها
يصوم هؤلاء عددًا من الأيام يُساوي ما فاتهم، كما نصّت الآية الكريمة بقولها ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
من يجزئه الفداء دون صيام
من عجز عن الصوم عجزًا دائمًا لا يُرجى زواله — كالشيخ الكبير الذي وهن جسده، والمريض بمرض مزمن لا شفاء منه — فله أن يفتدي بإطعام مسكين عن كل يوم، تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]. ومقدار الفدية يوم واحد = إطعام مسكين وجبة كاملة مشبعة تقريبًا.
الكفارة المغلَّظة وشرطها
الكفارة المشددة — وهي تحرير رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا — تخصّ حالة واحدة بالإجماع: وهي الجماع عمدًا في نهار رمضان. وتجب مع القضاء أيضًا. أما من أفطر عمدًا بالأكل أو الشرب دون عذر فعليه القضاء فحسب عند جمهور الفقهاء، وإن كان الإثم في ذلك عظيمًا.
التطبيق العملي: كيف تُرتّب قضاء أيامك
أولًا: احسب ما عليك بدقة
اجلس وتذكّر كم يومًا أفطرت في رمضان ولم تصمه. إن جهلت العدد فاجتهد في التقدير وخذ بالأكثر احتياطًا حتى تبرأ ذمتك. لا تعتمد على الذاكرة وحدها، بل اكتب الأيام تحديدًا.
ثانيًا: ابدأ بالقضاء في أقرب فرصة
لا يُشترط التتابع في قضاء رمضان إلا إذا كانت الأيام ناجمة عن كفارة؛ إذ يجوز صوم يوم الاثنين من هذا الأسبوع ويوم الخميس من الأسبوع القادم وهكذا. الغاية الوصول إلى العدد المطلوب قبل رمضان القادم. واستأنس بما يُعينك على المداومة، كتذكيرات هاتفك أو نية واضحة تُجدّدها كل أسبوع.
ثالثًا: أعطِ الأولوية للقضاء قبل التطوع
من باقٍ عليه أيام من رمضان، يكره له صيام التطوع — كصيام الست من شوال — قبل قضاء الفريضة، وذلك عند كثير من أهل العلم. فأدِّ الواجب أولًا ثم تطوّع. وتعرّف على فضل هذه الشعيرة في سياق أركان الإسلام الخمسة لتزداد تعلقًا بها.
رابعًا: إن أدركك رمضان التالي قبل القضاء
إن جاء رمضان الجديد وبقيت عليك أيام بلا عذر، فعليك بعد رمضان الجديد: قضاء الأيام الباقية مع إطعام مسكين عن كل يوم تأخّر — وهذا قول جمهور فقهاء الصحابة والتابعين. ومن كان له عذر مستمر حتى دخل رمضان الجديد فلا إطعام عليه، بل يقضي فحسب.
خامسًا: من عليه كفارة الجماع
إن كانت الكفارة لازمة لك، فاتّبع الترتيب: ابدأ بتحرير رقبة، فإن لم تستطع فصم شهرين متتابعين، فإن عجزت فأطعم ستين مسكينًا. ولا يجوز الانتقال إلى المرتبة الثانية مع القدرة على الأولى. وفي المسائل الخاصة التفصيلية يُنصح بسؤال عالم موثوق.
إجابات مستندة للقرآن لأسئلتك الفقهية
تتساءل عن حكم قضاء الصيام أو غيره من المسائل اليومية؟ يمنحك DeenUp إجابات مستندة إلى القرآن والسنة من علماء موثوقين في أي وقت.
Download DeenUp on the App Storeدعاء يُعينك على إتمام العبادة
حين تشعر بالتقصير أو تثقل عليك الأيام المتبقية، اللجأ إلى الله عز وجل بهذا الدعاء المأثور الذي علّمه النبي ﷺ معاذَ بن جبل رضي الله عنه:
«اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ». رواه أبو داود (1522) والنسائي (1303) وصحّحه الألباني رحمه الله.
فسَله سبحانه وتعالى العون، فهو ولي التوفيق، وهو القادر على أن يُيسّر لك القضاء ويجعله خفيفًا على قلبك وبدنك.
مسائل عملية متكررة
هل تقضي الحامل أو المرضع؟
إن أفطرت المرأة الحامل أو المرضع خوفًا على نفسها من الضرر فعليها القضاء فحسب عند الجمهور كسائر المرضى. وإن أفطرت خوفًا على جنينها أو رضيعها فقط، فذهب الشافعية إلى لزوم القضاء والفدية معًا، بينما يرى الجمهور القضاء فقط. والأحوط أخذ رأي طبيب مسلم ثقة فضلًا عن الاستئناس بالعالم الشرعي.
من توفّي وعليه أيام لم يقضِها
يُستحب لأولياء الميت الصيام عنه، وهو قول صحيح وارد في السنة. وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». رواه البخاري (1952) ومسلم (1147). وأجاز الحنفية إطعام الفدية عنه بدلًا من الصيام.
من أفطر عمدًا بلا عذر
هذا من الأمور الشديدة في الشريعة؛ إذ نُقل عن بعض السلف أنه «لو صام الدهر كله لم يُعوَّض يومٌ من رمضان أفطره عمدًا». غير أن باب التوبة مفتوح، فعليه القضاء مع التوبة الصادقة والاستغفار والعزم على عدم العودة. ويمكنك الاطلاع على المزيد في سنن الصيام حتى تستعد لرمضان القادم أحسن استعداد.
خاتمة
قضاء الصيام رحمة من الله عز وجل بعباده؛ أن يجعل للعاجز عذرًا ولكل عذر حلًّا، وأن يُبقي الباب مفتوحًا لمن فاته شيء حتى يُكمله. فإن كانت في ذمتك أيام، فخطوتك الأولى تحديدها، ثم المباشرة بالقضاء قبل أن يُدرك الوقت. ولا تجعل التأجيل عادة تثقل كاهلك، فالصوم في الأيام العادية أيسر بكثير مما نتصور.
وإذا كنت تودّ متابعة عباداتك وصيامك والتذكير بها، فاطّلع أيضًا على كيفية حساب زكاة الفطر ومقدارها لتُكمل الصورة الكاملة لعبادات رمضان والعيد، ومقالنا عن كيفية صلاة العيد وعدد ركعاتها لتدخل يوم الفرحة بعبادة صحيحة مكتملة.
والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين.
رافقك DeenUp في طريق الالتزام
تابع عباداتك اليومية، واحصل على إجابات قرآنية موثوقة وتذكيرات بمواعيد الصيام والصلاة — كل ذلك في مكان واحد.
Download DeenUp on the App StoreFrequently Asked Questions
هل يجب قضاء الصيام على الفور بعد رمضان؟
لا يجب القضاء على الفور؛ يجوز تأخيره ما دام قبل رمضان القادم، وقد كانت عائشة رضي الله عنها تُؤخّر قضاءها إلى شعبان. غير أن المبادرة أولى وأحوط حتى لا يُدرك المرء أجله قبل الإتمام.
ما حكم من أفطر عمدًا بلا عذر في رمضان؟
من أفطر عمدًا بالأكل أو الشرب بلا عذر شرعي فعليه القضاء دون كفارة عند جمهور الفقهاء. وإثم هذا الفعل عظيم إذ لا يُعوَّض يومٌ من رمضان بصيام الدهر كله وفق ما نُقل عن بعض السلف.
ما الفرق بين الكفارة والفدية والقضاء؟
القضاء: صيام يوم بدل يوم لمن أفطر لعذر مؤقت. الفدية: إطعام مسكين عن كل يوم لمن عجز عن الصيام عجزًا دائمًا كالشيخ الكبير. الكفارة: تحرير رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينًا، وتجب عند الجماع في نهار رمضان.
ما حكم من أدركه رمضان الجديد ولم يقضِ ما عليه؟
من فرّط حتى دخل رمضان التالي دون عذر فعليه القضاء بعد رمضان مع إطعام مسكين عن كل يوم مؤخَّر، وهذا قول جمهور الصحابة والفقهاء. ومن كان له عذر حتى دخل رمضان فلا كفارة عليه سوى القضاء.
هل تصوم المرأة الحامل وتقضي إذا أفطرت؟
إذا أفطرت الحامل أو المرضع خوفًا على نفسها فقط فعليها القضاء فحسب عند الجمهور. وإذا أفطرت خوفًا على ولدها فقط فعليها القضاء والفدية عند الشافعية، والقضاء فحسب عند الجمهور. والحكم يتبع العذر.
هل يُقضى الصيام عن الميت؟
ذهب جمهور الفقهاء إلى استحباب الصيام عن الميت إذا كان عليه قضاء ولم يستطع إتمامه، استنادًا إلى الحديث الصحيح في البخاري ومسلم. ويرى الحنفية إخراج الفدية عنه بدلًا من الصيام.